في الشمال السوري.. مبادرات شبابية تحول التضامن إلى فعل إنساني لدعم العائلات النازحة

في الشمال السوري.. مبادرات شبابية تحول التضامن إلى فعل إنساني لدعم العائلات النازحة
أعضاء المبادرة الشبابية

في مدينة تربسبيه التابعة لمدينة قامشلو السورية، حيث تتقاطع آثار النزوح مع تحديات الحياة اليومية، برزت مبادرة شبابية تحمل اسم "green hands" لتشكل نموذجًا إنسانيًا نابعًا من روح التطوع والمسؤولية المجتمعية، أطلقها مجموعة من الشبان والشابات بهدف دعم العائلات النازحة وتخفيف الأعباء الثقيلة التي فرضتها ظروف التهجير القسري، في وقت تتراجع فيه الموارد وتزداد الاحتياجات الأساسية والنفسية على حد سواء.

مبادرة من الشباب إلى المجتمع

بحسب ما أوردته وكالة أنباء المرأة، السبت، قالت لافا إبراهيم، إحدى مؤسسات المبادرة، إن فكرة "green hands" انطلقت من شعور عميق بالمسؤولية تجاه العائلات التي اضطرت إلى ترك منازلها والنزوح إلى مدينة تربسبيه، وأوضحت أن مجموعة من الشابات والشبان المحليين قرروا تنظيم جهودهم بشكل جماعي لتقديم الدعم الممكن، سواء من خلال المساعدات المعيشية أو الأنشطة التي تستهدف الأطفال المتأثرين نفسيًا بتجربة النزوح.

وأضافت لافا إبراهيم أن المبادرة تنسق بشكل مستمر مع منظمات محلية وفعاليات مجتمعية داخل المدينة، بهدف ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وتنظيم أنشطة منتظمة تخفف من معاناة المهجرين، لا سيما الأطفال الذين يواجهون صعوبات نفسية كبيرة نتيجة ما شهدوه من أحداث.

إحصاء الاحتياجات وتحديد الأولويات

تشير القائمون على المبادرة إلى أنهم قاموا بإحصاء العائلات النازحة في مدينة تربسبيه، حيث يبلغ عددها نحو 100 عائلة موزعة بين مدارس وبيوت داخل المدينة، وهذا الإحصاء ساعد فريق "green hands" على تحديد الأولويات ووضع خطة عمل تركز على الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، وفي مقدمتها الغذاء والملابس والمستلزمات الأساسية.

وأكدت لافا إبراهيم أن المبادرة مستمرة في تقديم الدعم عبر توزيع السلال الغذائية بشكل دوري، إلى جانب توفير المستلزمات الخاصة بالأطفال والنساء، بما في ذلك الملابس والألعاب، في محاولة لإدخال شيء من الفرح والطمأنينة إلى نفوس الصغار الذين حرموا من حياة مستقرة.

دعم يتجاوز الغذاء

لا تقتصر أنشطة المبادرة على تقديم الغذاء فقط، بل تشمل أيضًا توزيع الأثاث المنزلي على العائلات السورية النازحة والمقيمة في المدارس أو البيوت المستضيفة داخل تربسبيه. كما يتم تقديم مساعدات مالية، بحسب الإمكانات المتاحة، لمساعدة العائلات على تلبية احتياجاتها اليومية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

هذا التنوع في أشكال الدعم يعكس، وفق القائمين على المبادرة، فهمًا عميقًا لطبيعة المعاناة التي يعيشها النازحون، حيث لا يكفي توفير الطعام وحده، بل يجب العمل على تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

مطبخ تضامن يومي

ومن أبرز أنشطة المبادرة تنظيم تقديم وجبات غذائية يومية بالتعاون مع مطبخ تربسبيه، تحت إشراف نارين شيخو، التي تتولى بنفسها إعداد الطعام وتقديمه للعائلات النازحة، وتحوّل هذا المطبخ إلى مساحة للتكافل الاجتماعي، حيث يشارك متطوعون في التحضير والتوزيع، في مشهد يعكس روح التعاون بين أبناء المدينة.

وتؤكد المبادرة أن الوجبات اليومية لا تلبي حاجة غذائية فقط، بل تمثل رسالة تضامن إنساني تُشعر العائلات المهجرة بأنها ليست وحدها في مواجهة ظروف النزوح القاسية.

مساندة القوى الأمنية

وفي سياق متصل، لم تغفل مبادرة “green hands” عن الجهود التي تبذلها القوات الأمنية في منطقة شمال سوريا، خاصة في ظل التصعيد والهجمات التي تشهدها بعض المناطق المحيطة، وحرصًا على تقدير هذه الجهود، تقوم المبادرة بتوزيع وجبات غذائية على الحواجز الأمنية، في خطوة تعكس إدراكًا لأهمية الاستقرار الأمني في حماية المدنيين واستمرار الحياة اليومية.

دعم نفسي وتعليمي للأطفال

إلى جانب المساعدات المادية، تولي المبادرة اهتمامًا خاصًا بالأطفال النازحين، إدراكًا لما تعرضوا له من صدمات نفسية، وتعمل "green hands" على تنظيم فعاليات ترفيهية ودروس تعليمية، إضافة إلى تقديم تدريبات في الإسعافات الأولية، بهدف تعزيز شعور الأطفال بالأمان وبناء قدراتهم الأساسية.

وتوضح لافا إبراهيم أن هذه الأنشطة تشكل جزءًا أساسيًا من رؤية المبادرة، لأن معالجة آثار النزوح لا تقتصر على الجوانب المعيشية، بل تمتد إلى الصحة النفسية والتعليم، وهما عنصران حاسمان في إعادة بناء حياة الأطفال ومستقبلهم.

تحديات الاستمرار

رغم الأثر الإيجابي الذي أحدثته المبادرة في مدينة تربسبيه السورية، فإن القائمين عليها يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها محدودية الموارد واستمرار تدفق العائلات النازحة، ويعتمد فريق "green hands" بشكل أساسي على التبرعات والدعم المحلي، ما يجعل استمرارية المبادرة مرهونة بقدرتها على حشد مزيد من التضامن المجتمعي.

ومع ذلك، يؤكد المتطوعون أنهم ماضون في عملهم، مدفوعين بقناعة راسخة بأن المبادرات الصغيرة قادرة على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس، حتى في ظل الأزمات الممتدة.

تشهد مناطق شمال وشرق سوريا منذ سنوات موجات نزوح متكررة نتيجة الصراعات والتوترات الأمنية، ما أدى إلى انتقال آلاف العائلات من مناطقها الأصلية إلى مدن وبلدات أكثر استقرارًا نسبيًا مثل تربسبيه، وغالبًا ما تواجه هذه العائلات تحديات كبيرة تتعلق بتأمين السكن والغذاء والرعاية الصحية والتعليم، في ظل إمكانات محدودة للسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، وفي هذا السياق، برزت المبادرات المجتمعية الشبابية كعنصر مكمل للعمل الإنساني، حيث تلعب دورًا مهمًا في سد بعض الفجوات وتقديم دعم مباشر وسريع للمتضررين، وتعد مبادرة "green hands" مثالًا على هذا الدور، إذ تعكس قدرة المجتمعات المحلية على تنظيم نفسها ومواجهة آثار النزوح بروح التضامن والعمل التطوعي.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية